عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
113
اللباب في علوم الكتاب
ذكرت ذلك الخبر ، قبله العقل بتشوّق ، فيكون ذلك أبلغ في التّحقيق ، ونفي الشّبهة . فإن قيل : هلا قيل : يتربّصن ثلاثة قروء ، وما الفائدة في ذكر الأنفس ؟ فالجواب : إن في ذكر الأنفس بعث على التّربّص وتهييج عليه ؛ لأن فيه ما يستنكفن منه ، فيحملهنّ على أن يتربّصن ، وذلك لأنّ أنفس النّساء طوامح إلى الرّجال ، فأراد أن يقعن على أنفسهن ، ويغلبنها على الطّموح ، ويحرّضنها على التّربّص . فإن قيل : لم لم يقل : ثلاث قروء ؛ كما يقال : ثلاث حيض ؟ والجواب : أنه أتبع تذكير اللّفظ ، ولفظ « قرء » مذكّر . والقرء في اللغة : أصله الوقت المعتاد تردده ، ومنه : قرء النّجم لوقت طلوعه وأفوله ، يقال : « أقرأ النّجم » ، أي : طلع أو أفل ، ومنه قيل لوقت هبوب الرّيح : قرؤها وقارئها ؛ قال الشاعر : [ الوافر ] 1105 - شنئت العقر عقر بني شليل * إذا هبّت لقاريها الرّياح « 1 » أي : لوقتها ، وقيل : أصله الخروج من طهر إلى حيض ، أو عكسه ، وقيل : هو من قولهم : قريت الماء في الحوض ؛ أي : جمعته ، ومنه : قرأ القرآن . وقولهم : ما قرأت هذه الناقة في بطنها سلا قطّ ، أي لم تجمع فيه جنينا ؛ ومنه قول عمرو بن كلثوم : [ الوافر ] 1106 - ذراعي عيطل أدماء بكر * هجان اللّون لم تقرأ جنينا « 2 » فعلى هذا : إذا أريد به الحيض ، فلاجتماع الدّم في الرّحم ، وإن أريد به الطهر ، فلاجتماع الدّم في البدن ، وهذا قول الأصمعي ، والفرّاء ، والكسائيّ « 3 » . قال شهاب الدّين : وهو غلط ؛ لأنّ هذا من ذوات الياء ، والقرء مهموز . وإذا تقرّر ذلك فاختلف العلماء في إطلاقه على الحيض والطهر : هل هو من باب الاشتراك اللفظيّ ، ويكون ذلك من الأضداد أو من الاشتراك المعنويّ ، فيكون من المتواطئ ؛ كما إذا أخذنا القدر المشترك : إمّا الاجتماع ، وإمّا الوقت ، وإمّا الخروج ، ونحو ذلك . وقرء المرأة لوقت حيضها وطهرها ، ويقال فيهما : أقرأت المرأة ، أي : حاضت أو طهرت ، وقال الأخفش : أقرأت أي : صارت ذات حيض ، وقرأت بغير ألف ، أي : حاضت ، وقيل : القرء ، الحيض ، مع الطهر ، وقيل : ما بين الحيضتين . والقائل
--> ( 1 ) البيت لمالك بن الحارث : ينظر ديوان الهذليين 3 / 83 ، الطبري 4 / 511 ، الأضداد ( 28 ) ، الدر المصون 1 / 554 . ( 2 ) ينظر شرح القصائد التسع للنحاس 621 ، واللسان ( قرأ ) ، والدر المصون 1 / 554 . ( 3 ) ينظر : الرازي 6 / 76 .